اباي ولد اداعة .. يكتب : ضرورة تعزيز دور العلماء في محاربة الفساد

تانيد ميديا : بناءا علي معطيات اللقاء الهام الذي خص به فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني،
يوم أمس بالقصر الرمادي ،

لجنة العلماء و المشايخ الموريتانيين المكلفة بالحوار مع السجناء السلفيين.
حيث أشاد بجهود اللجنة معربا عن تقديره العالي للعلماء واصفا جهودهم بالجبارة و الوطنية في محاربة الغلو و التطرف،
قصد تصحيح المفاهيم و تعزيز الوعي الديني و ترسيخ قيم الوسطية و الإعتدال و الإستقرار الفكري
و بالتالي إحتواء الإرهاب فكريا ،
و هو ما يعد ركيزة أساسية في إستراتيجية الدولة الأمنية و الفكرية .
من أجل تعزيز الثقة في المقاربة الموريتانية الفريدة في التعامل مع ملف السجناء السلفيين و التي تعتمد الحوار الفكري كأداة رئيسية بالإضافة إلي الإجراءات الأمنية و القضائية ،
ففي نفس السياق يري بعض المراقبين للشأن العام ضرورة قيام هذه اللجنة الموقرة بفتح حوار مماثل للمناصحة بشأن الفساد .
مع كبار المسؤولين الذين يتصدرون المشهد الوظيفي و يتولون المناصب العليا و يديرون الشأن العام و يتحكمون في مفاصل الدولة ،
من أجل تفعيل دورها من خلال التوعية بأهمية الأمانة و تحريم أكل المال العام و دعم جهود الدولة في الحفاظ على مقدرات البلد,
و لا يتأتي ذلك إلا بتفعيل منظومة القيم السلوكية في الإدارة العامة لضمان النزاهة و الشفافية و العدالة و الأمانة في الوظائف و المناصب العامة ،
فيكون ذلك جزءا من تغيير المنكر الشامل .
نظرا لما يسببه الفساد من إعاقة للتنمية و تجويع للشعوب و ما يشكله أيضا من مخاطر علي أمن و إستقرار البلاد و العباد.
فالفساد في جوهره شكل من أشكال التطرف السلوكي و القيمي ، حيث يمثل إنحرافا صارخا عن القواعد الأخلاقية و القانونية و كسرا للمبادئ العادلة لإدارة المال العام ،
كما يمثل تطرفا في أنانية الفرد علي حساب المصلحة العامة ،
مما قد يؤدي إلي تداعيات متطرفة مثل : إنهيار الدول ، إحباط المواطنين ، زيادة إنعدام المساواة و تقويض المساءلة .
فإذا كان الفساد يعزز من مشاعر الإحباط فإن الإحباط سيؤدي حتما إلي تفشي الفساد ،
خاصة مع تراجع الإلتزام الأخلاقي و الوازع الديني و الوطني في أداء الوظيفة ،
في حين يؤدي ضعف و هشاشة تقارير هيئات التفتيش و الرقابة و التي تفتقر أحيانا للجوهر و الفاعلية إلي العجز عن إكتشاف مكمن الفساد ،
لعدم التركيز علي ملفات المخاطر العالية التي ترتفع فيها نسب الفساد ،
و التدقيق بعمق دون تجاهل أو إهمال ،
و هو ما يقلل أثرها في المساءلة و المحاسبة ،
و يعيق ملاحقة المسؤولين الفاسدين قضائيا .
و يؤدي بالتالي إلي إفلات الجناة من العقاب .
و لنا في التقارير التي أصدرتها محكمة الحسابات مؤخرا شواهد كثيرة ،
ملفات فساد بمئات المليارات تم الإفصاح و الإعلان عنها بشكل رسمي ،
و التعاطي معها إعلاميا علي نطاق واسع و عبر وسائل التواصل الاجتماعي،
تضمنت أسماءا علي أنها ضالعة و مسؤولة بشكل أو بآخر عن كل هذا الفساد ،
تم تجريد و إقالة كل المشمولين بالملف بأوامر و قرارات حكومية علي جناح السرعة .
مما أثار جدلا واسعا حينها داخل الأوساط الشعبية و إستياءا كبيرا من حجم و خطورة الفساد المنتشر بالقطاعات الحكومية و مؤسسات الدولة الخدمية ،
لدرجة أنها أضحت قضية رأي وطني .
انتهي بها المطاف أمام أول عتبة من مراحل التقاضي( تكييف التهم النيابة ) ،
حيث تم إختزال الملف المثير للجدل قضائيا في شخصيات و أسماء قليلة دون غيرها ،
و حفظ الدعوي بحق معظم المشمولين بالملف من قبل النيابة العامة و جهة التحقيق ،
دون إحالتها للمحكمة ،
لعدم كفاية الأدلة أو كون الفعل لا يشكل جريمة أو عدم صحة الواقعة ،
و هو إجراء إداري قضائي تصدره النيابة أو جهة التحقيق يتمتع بحجية مؤقتة تزول بظهور مستندات أو أدلة جديدة ،
و هو ما يعني عدم تحريك الدعوي الجنائية لنفس الأسباب التي سبق ذكرها .
لكن جرت العادة في مثل هذه الحالات أن يتم تجاوز الأمور و طي الملف مع مرور الوقت .
و هو ما يجعل من تقارير الهيئات الرقابية جعجعة بلا طحين !!
من هنا يأتي أهمية تعزيز دور العلماء ،
لعل و عسي بالكلمة الطيبة و الموعظة الحسنة يفتح ذلك باب التوبة أمام المسؤولين الفاسدين و إسترجاع أموال الشعب المنهوبة أو الحد من الفساد .
إن دور لجنة العلماء ينبغي أن يكون مكملا للجهود النظامية و الرقابية بهدف تحصين المجتمع ذاتيا ضد الممارسات الفاسدة .
بدل الإستمرار و التركيز علي حوار من وراء القضبان
مع سجناء سلفيين قابعين في السجن منذ أكثر من 16 سنة ،
لا حول و لا قوة لهم .
تجدر الإشارة إلي أن هذا المسار تكرر عبر السنوات ،
حيث تم الإفراح عن دفعات متتالية من السجناء السلفيين بعد توبتهم و التوقيع علي التخلي عن العنف و التطرف،
فهل يمكن إسقاط تجربة لجنة العلماء في مجال مكافحة الغلو و التطرف،
علي الحرب المعلنة علي الفساد ؟!
بالتأكيد قد تتحول تجربة مكافحة التطرف من سياق ديني و أمني إلي سياق قيمي و أخلاقي و إداري شامل .
مما يجعلهما نهجين متكاملين لحماية المجتمع ،
و مواجهة الفساد بصفته خطرا يهدد إستقرار الدولة و تنميتها تماما كالتطرف .
اللهم اكفنا شر الفساد و المفسدين .
الوطن أمانة في اعناق الجميع .



